-->
U3F1ZWV6ZTIwMjc1NDg2NTU3X0FjdGl2YXRpb24yMjk2OTMyOTAzNDQ=
recent
أخبار ساخنة

طفلي يستخدم يده اليسرى في الكتابة؟



الكتابة باليد اليسرى

في ثقافتنا جميعا، سواء الدينية أو تلك الشعبية، هناك مكانة خاصة لليمين باعتباره مصدرا للخير والبركة، بينما يحمل اليسار الخسران والشر، حتى سياسيا دائما ما يوصم المعارضون بأنهم على اليسار، كما أننا نستخدم كلمة أعسر لوصف أولئك الذين يستخدمون يدهم اليسرى (واعذروني لاستخدامها فلم أجد غيرها)، وهي كلمة مشتقة من العسر، أي الشدة والمشقة والضيق والفقر، ويبدو أن الأمر راجع إلى أن الأغلبية تستخدم يدها اليمنى، وبالتالي يصبح أولئك الذين يستخدمون يدهم اليسرى أقلية وشواذ، تعاملت معهم المجتمعات القديمة بإقصاء، وربما بقيت آثار هذا في اللغة وفي بعض مفردات تعاملنا اليومي.

لماذا يستخدم بعضنا يدهم اليسرى؟


قديما، وبحسب ما درس أغلبنا في البيولوجيا، ذهب العلم إلى أن هناك اختلافات بين نصفي المخ (النصف الأيمن وذلك الأيسر)، فهناك نصف مهيمن ونصف غير مهيمن، وكما نعلم فكل نصف يتحكم في الجانب المعاكس من الجسم، نصف الدماغ الأيمن يتحكم في الجانب الأيسر، ونصف الدماغ الأيسر يتحكم في الجانب الأيمن من الجسم.

وحين يكون نصف الدماغ الأيسر هو المهيمن، يكون الإنسان أقدر على استخدام طرفيه الأيمنين، وبالتالي كان أيمنَ، وحين يكون النصف الأيمن هو المهيمن يكون الإنسان أقدر على استخدام طرفيه الأيسرين، وبالتالي كان أعسر، وربما تبدو المفارقة هنا صارخة فالأيمن الهيمنة فيه لنصف دماغه الأيسر والعكس بالعكس، إلا أن هناك دراسة حديثة تشير إلى نظرية جديدة تخالف تلك التقليدية.

فوفق دراسة حديثة نشرت في مجلة elifesciences، تبدو الأمور مختلفة تماما، فقد أشارت تلك الدراسة إلى أن الأجنة تظهر اختلافات في الحركة بين الطرفين الأيمنين والطرفين الأيسرين، قبل تمام ربط المخ بالحبل الشوكي، وبالتالي بالأعصاب المتحكمة في الأطراف، وهو ما يعني أن دور المخ في تحديد كون الجنين أيمن أو أيسر محدود جدا.


ما الذي يحدد إذا؟


يبدو أن السر يقبع في الحبل الشوكي، تلك الجديلة العصبية التي تتدلى من المخ، وتسافر عبر فقرات الظهر لتصل المخ بالأعصاب الطرفية.

وهو ما يعني أن هناك اختلافا ما موقعه الحبل الشوكي، وليس المخ، هو السبب في كون البعض يستخدم يمناه أو يسراه.

هل يمكن التحكم في الأمر؟ هل هو مكتسب ويمكن عكسه؟


بحسب تلك الدراسة فالأمر كله يخضع لأنماط جينية. كون الإنسان أيمن أو أيسر هو أمر مسجل في شفرته الوراثية تماما كالطول والقصر ولون البشرة والشعر والعينين، هل يمكن لأحد أن يتحكم في لون عينيه؟ ربما تحمل إجابة هذا السؤال إجابة لسؤالنا الذي سبق هذه الفقرة.

هل الأمر يحدث تماما على هذه الصورة؟ فلنكن أكثر تحديداً.


كي نكون أكثر تحديدا، على ما يبدو فالاختلافات الحادثة بين أولئك الذين يكتبون بيمناهم، وأولئك الذي يكتبون بيسراهم، ليست في نص الشفرة الوراثية، ربما بل في الطريقة التي تتم بها قراءة هذه الشفرة.

كي نسهل الأمر، لنشبّه تلك الشفرة الوراثية بتعويذة سحرية مكونة من مجموعة كلمات، هذه الكلمات يمكن قراءة بعضها او تجاهل قراءة البعض الآخر، بحسب الكلمات التي نقرأها أو التي نتجاهلها يكون التأثير، وهكذا فبحسب الطريقة التي تتم بها القراءة (الكلمات التي ننطقها وتلك التي نتجاهلها يكون التأثير المختلف)، فيكون البعض أيمن والبعض أيسر.

في جملة واحدة، ما الذي يجعل البعض يكتب بيمناه والبعض الآخر يكتب بيسراه؟


يرجع الأمر إلى تأثيرات بيئية غير معروفة حتى الآن، تحدث للجنين في بداية تكونه تؤدي إلى اختلافات في الطريقة التي يتم بها التعبير عن شفرته الوراثية وقراءتها وترجمتها وتأويلها، وتلك الاختلافات هي التي تؤدي إلى أن يصبح أحدنا أيمن والآخر أعسر.

كيف نتعامل مع طفلنا الأعسر إذا؟


لا يجب إجباره بأي حال من الأحوال على استخدام يده اليمنى، فكما بيّنّا ليس الأمر مجرد خيار يقوم به، أو عادة يستطيع التحكم بها، بل يعود إلى تشابكات عصبية تختلف بين الأيمن والأعسر، وقد بيناها وكيفية حدوثها بشكل مفصل في ما سبق، لذا يجب احترام ذلك الاختلاف في أبنائنا.

ما الذي قد يحدث لو أجبرنا طفلنا الأعسر على استخدام يده اليمنى؟



يؤدي ذلك إلى مضاعفات خطيرة قد تؤثر على شخصية الطفل، وإدراكه لنفسه ومحيطه، وقد تمثل إصابة نفسية يبقى يحملها طوال عمره.

من تلك المضاعفات التي تم تسجيلها:

الخط السيىء.
التبول اللاإرادي.
التلعثم.
قضم الأظافر.
الخجل والانطواء.
السلوك الاستفزازي والعدواني.
عدم التركيز.
ضعف الذاكرة.
صعوبات القراءة.
الشخصية العصابية.
الإجهاد البدني.
هكذا يتضح أن كون الطفل أيمن أو أعسر يعود إلى تشابكات عصبية بالحبل الشوكي، وهو أمر معقد يرجع لتأثيرات بيئية غير معروفة على الجينات (الشفرة الوراثية)، وطريقة التعبير عنها، وبالتالي فكون الطفل أيمن أو أعسر ليس خيارا له، أو سلوكاً يمكن تغييره، وأي محاولة لتغيير ذلك جبرا تكون مصحوبة بمضاعفات خطيرة قد تؤثر على الطفل مدى الحياة.

كلمة أخيرة..

كل اختلاف هو ثراء، والمجتمعات المتنوعة هي الأكثر ثراء ونجاحا.

أما عن أولئك العسر فصحيح أنني ربما لا أملك في هذه اللحظة مرجعا علميا، لكنك ستجد حولك شهادات كثيرة، وأمثلة عن مهارات حركية خاصة لم تتوفر ربما لدى أولئك الذي يستخدمون يمناهم، وحازها مستخدمو اليد اليسرى والقدم اليسرى.
الاسمبريد إلكترونيرسالة